ابن رشد
203
تهافت التهافت
الصفات بعين تلك الطريق يعلم أن صفات الأحياء من العلم والحياة والقدرة والإرادة أيضا لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بذات ، فالحياة تقوم بالذات فتكون حياته بها وكذلك سائر الصفات ، فإذا لم يقنعوا بسلب الأول سائر الصفات ولا بسلبه الحقيقة والماهية حتى سلبوه أيضا القيام بنفسه وردوه إلى حقائق الأعراض والصفات التي لا قوام لها بنفسها . على أنا سنبين بعد هذا عجزهم عن إقامة الدليل على كونه عالما بنفسه وبغيره في مسألة مفردة . قلت : الكلام في علم الباري سبحانه بذاته وبغيره مما يحرم على طريق الجدل في حال المناظرة فضلا عن أن يثبت في كتاب . فإنه لا تنتهي أفهام الجمهور إلى مثل هذه الدقائق ، وإذا خيض معهم في هذا بطل معنى الإلهية عندهم ، فلذلك كان الخوض في هذا العلم محرما عليهم إذ كان المكافئ في سعادتهم أن يفهموا من ذلك ما أطلقته أفهامهم ، ولذلك لم يقتصر الشرع الذي قصده الأول تعليم الجمهور في تفهيم هذه الأشياء في الباري سبحانه بوجودها في الإنسان كما قال سبحانه : لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً بل وأضطر إلى تفهيم معاني في الباري بتمثيلها بالجوارح الإنسانية مثل قوله سبحانه : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ وقوله : خَلَقْتُ بِيَدَيَّ فهذه المسألة هي خاصة بالعلماء الراسخين الذين أطلعهم اللّه على الحقائق ، ولذلك لا يجب أن تثبت في كتاب إلا في الكتب الموضوعة على الطريق البرهاني ، وهي التي شأنها أن تقرأ على ترتيب ، وبعد تحصيل علوم أخر يضيق على أكثر الناس النظر فيها على النحو البرهاني إذا كان ذا فطرة فائقة مع قلة وجود هذه الفطرة في الناس . فالكلام في هذا الأشياء مع الجمهور هو بمنزلة من يسقي السموم أبدان كثير من الحيوانات التي تلك الأشياء سموم لها ، فإن السموم إنما هي أمور مضافة فإنه قد يكون سما في حق حيوان شيء هو غذاء في حق حيوان آخر . وهكذا الأمر في الآراء مع الإنسان أعني قد يكون رأي هو سم في حق نوع من الناس وغذاء في حق نوع آخر ، فمن جعل الآراء كلها ملائمة لكل نوع من أنواع الناس ، بمنزلة من جعل الأشياء كلها أغذية لجميع الناس . ومن منع النظر مستأهله بمنزلة من جعل الأغذية كلها سموما لجميع الناس ، وليس الأمر كذلك ، بل فيها ما هو سم لنوع من الإنسان وغذاء لنوع آخر ، فمن سقي السم من هو في حقه سم فقد استحق القود ، وإن كان في حق غيره غذاء ، ومن منع السم ممن هو في حقه غذاء حتى مات واجب عليه القود أيضا فعلى هذا ينبغي أن يفهم الأمر في هذا . ولكن إذا